أبو الوفاء بن عمر الحلبي العرضي

326

معادن الذهب في الأعيان المشرفة بهم حلب

ولما تولى نصوح باشا كفالة حلب ، وفهم الشيخ أبو الجود أنه يريد الانتقام من خداوردي وبقية / أجناد دمشق المستولين على حلب ، فرّ قبل وقوع الفتنة إلى دمشق والسيد حسين ثبت ، وكان يداري الباشا وهو في الباطن يبغضه وينوي له السوء ، ودرويش بيك بن مطاف أحد متفرقة حلب مقبول الباشا كثير البغض للسيد حسين بواسطة أخيه السيد لطفي ، فإنه كان عدوا للسيد حسين مع كونه أخاه . فكان السيد لطفي يثلب أخاه بحضور درويش بيك ، ودرويش بيك ينقل ذلك للباشا ، حتى وقّع الحرب بين نصوح باشا وحسين باشا كما ذكرنا ، وانكسر نصوح وعاد إلى حلب مقهورا فوشى السيد لطفي أن أخاه فرح بكسر عسكر الباشا ، وأنه قرأ مولدا في هذه الليلة للفرح . فذهب الباشا ليلا إلى دار السيد حسين فسمع ضرب الدفوف وأصوات الغواني ، وإمارات السرور . وكان سببه أن بنت السيد حسين ولدت ولدا ذكرا في تلك الأيام ، فاجتمعت النساء للفرح . ففي اليوم الثاني طلب الباشا السيد حسين صاحب الترجمة ، فأخذ معه شريفا من بيت صفّاف الجبس « 1 » ورجلا يقال له منصور بن حلاوة فدخل الثلاثة إلى دار السعادة ، فأمر الباشا بخنقهم خفية ، فخنقوا وألقيت أجسادهم في الخندق ، بحيث لا يشعر بهم أحد . وضبط الباشا أموال السيد حسين ، وهرب السيد لطفي لما قيل له : إن الباشا يقتلك أيضا ، وليوهم الناس أنني ما سعيت في قتل أخي . وقد كان السيد لطفي يحلف الأيمانات العظيمة أن أخاه يشرب الخمر ويلبس شبقة النصارى « 2 » ، ويذكر ذلك للباشا ، وكان ذلك في سنة ثلاث عشرة وألف . مات السيد حسين وعمره نحو سبعين سنة .

--> ( 1 ) الجبس : البطيخ الأحمر . والكلمة حلبية قديمة . ويسمى بلغة الحجازيين « الحبحب » ، وسمي « البطيخ الهندي » . وسماه دوزي « البطيخ المأموني » . وهي محرفة عن « زبش » . ( 2 ) هي القبعة الأجنبية ذات الحافة التي يدعوها نصارى حلب كذلك « البرنيطة » . وقد دخلت بلاد الشام منذ قدوم الصليبيين ، وارتداها نصارى حلب منذئذ .